بالأمس كنت أتكلم مع أحد الأشخاص في منصب قيادي، خبرته تتجاوز 18 سنة، وإنجليزيته كويّسه مره. يتكلم، يناقش، يعترض، ويوصل فكرته بشكل طبيعي. بس هو مو مقتنع، والسبب؟
ذكر لي تواصله مع القيادات الأعلى منه أو من نفس مستواه، قال لي شيء أشوفه يتكرر كثير في الاستشارات: «إذا تكلمت مع فريقي أو زملائي أكون طبيعي، وإذا دخلت اجتماعاتي اليوميّة مع القيادات أو جيت أتكلم مع شخص بمنصب عالي، مدري وش يصير لي.»
يصير أسرع في كلامه، يختصر إجاباته، يفكر كثير قبل ما يرد، وأحيانًا تكون عنده فكرة مهمة ويقرر ما يقولها. وبعد الاجتماع كل الأفكار والكلام الي كان وده يقوله يجيه مباشرة.
أنت ما تغيرت الموقف تغير
الموضوع مو معناه مباشرة أنه يحتاج ثقة أكثر، ولا يعني أن السبب دائمًا في لغته. اللي يستحق ننتبه له هو: ليه الشخص نفسه، بنفس الخبرة والمعرفة، يتواصل بطريقة مختلفة لما ترتفع أهمية الموقف؟
صاحب القرار ما أخذ منك كلماتك، وخبرتك ما اختفت لما دخل الاجتماع. اللي تغير هو معنى الموقف بالنسبة لك. أنت الآن تتكلم مع شخص رأيه مهم، ممكن يوافق على فكرتك، يرفضها، أو يكوّن انطباع عنك.
وهنا ممكن يتحول انتباهك بدون ما تلاحظ من:
«وش أبي أوصله؟» إلى «كيف أبي أبان؟»
في علم النفس، هذا قريب من مفهوم Social-Evaluative Threat. ببساطة، الضغط ممكن يرتفع لما نحس أن أداءنا تحت تقييم الآخرين. وتحليل بحثي لأكثر من 200 دراسة وجد أن المواقف اللي تجمع بين التقييم الاجتماعي وقلة التحكم في أدائنا من أكثر المواقف ارتباطًا باستجابة الضغط.
بمعنى أبسط: أحيانًا أهمية الشخص اللي قدامك ترفع أهمية أدائك في ذهنك.
وهذا حصل معي أكثر من مره كمحمد في كذا أجتماع مهم جدًا مع قيادات في السعودية والأمارات.
لما تحاول تثبت كفاءتك
تخيل أن أحد القيادات سألك عن مشروع أنت تعرف تفاصيله كويس. قبل ما يخلص السؤال تبدأ تجهز: وش أقول أول؟ كيف أختصر؟ وش الكلمة الأنسب؟ هل لغتي مثاليه؟ وش لو سألني بعدها؟
أنت الآن تحاول تسمع، تفهم، تسترجع المعلومات، ترتب فكرتك، تختار الكلمات، وفي نفس الوقت تراقب كيف قاعد تبان قدامه.
وهنا تحصل المفارقة:
كل ما حاولت تتحكم في صورتك أكثر، كل ما تأخذ جزء من انتباهك بعيدًا عن الرسالة اللي جاي توصلها.
في علم النفس المعرفي، تشرح Attentional Control Theory أن القلق ممكن يؤثر على كفاءة التحكم بالانتباه، خصوصًا لما تكون المهمة تتطلب معالجة عدة أشياء في نفس الوقت.
وهذا يساعدنا نفهم جملة أسمعها كثير بعد الاجتماعات:
«كنت أعرف وش أبي أقول، بس ما حضرني وقتها.»
المعرفة موجودة. والخبرة موجودة. اللي تغير هو سهولة الوصول لها واستخدامها داخل الموقف.
وهذا الي مفروض نتدرّب عليه. مو نمارس أكثر، ندرس لغة، أو نتعلّم مفردات.
كفاءتك تحتاج تظهر
التواصل مع القيادات مو مجرد إنجليزية جيدة. هذه المواقف هي اللي تبيّن فيها طريقة تفكيرك، فهمك لشغلك، قدرتك على اتخاذ القرار، والتوصية اللي عندك.
وإذا كنت مشغول طول الوقت بكيف تبان، ممكن الطرف الثاني ما يشوف الشيء اللي كنت تحاول تثبته من البداية: كفاءتك.
وهنا التويست:
ومن تجربتي الشخصيّة؟ كلما أهتميت أقل بكيف أطلع قدام الناس؟ وركزت على رسالتي، كلما ارتحت وهم أرتاحوا و وثقوا فيني وأرتفعت بما أسميه “الأصالة المهنيّة”: شخص مرتاح مع “جلده” البشر يحسوّن فيها. ويبدأ منها التأثير والموثوقيّة والحضور وكل شيء أنت تبيه بدون ما تحاول.
لا تحضّر كلامك بس
التحضير مهم. جهز أرقامك، اعرف موقفك، وتوقع الأسئلة المهمة. وفي نفس الوقت، لا تخلي استعدادك قائمًا على حفظ الكلام.
الاجتماع الحقيقي ممكن يتغير في أي لحظة. ممكن يقاطعك أحد، يعترض، يسألك سؤال ما توقعته، أو يطلب منك توصيتك في 30 ثانية.
وهنا يبان الفرق بين شخص حضّر وش بيقول، وشخص تدرب على كيف يتعامل مع الموقف.
قبل اجتماعك الجاي، جرّب تغيّر ثلاث أشياء:
بدل «كيف أبي أظهر؟» اسأل «وش يحتاج هذا الشخص يفهم مني؟».
اسمع السؤال كامل قبل ما تبدأ تبني الإجابة.
وجهز رسالتك بدلًا من جملتك: وش موقفك؟ ليه؟ وش الدليل؟ وش توصيتك؟
وتدرب على نفس المواقف اللي يهمك تتحسن فيها: سؤال مفاجئ، اعتراض، مقاطعة، أو وقت محدود للإجابة. الهدف مو أنك تنتظر لين يختفي التوتر؛ الهدف أنك تعرف تتواصل حتى مع وجوده.
قبل اجتماعك الجاي
إذا لاحظت أن تواصلك يتغير أمام القيادات، لا تحكم على نفسك بسرعة. اسأل نفسك سؤال واحد:
وين يروح انتباهي؟
هل هو مع الشخص والفكرة اللي أبي أوصلها؟ أو مع لغتي، وصورتي، وكيف قاعد أظهر؟
ممكن ما تحتاج تكون شخص مختلف أمام أصحاب القرار، بقدر ما تحتاج تعطي خبرتك مساحة أكبر تظهر بدل ما تنشغل بإثباتها.
وهذا بالنسبة لي أحد أهم التحولات في التواصل القيادي:
لا تدخل الاجتماع عشان تثبت أنك كفؤ. ادخله وأنت تعرف وش القيمة اللي جاي تضيفها.
حاب تتدرّب على التواصل القيادي بالإنجليزيّة؟
